زواري

من أنا

صورتي
أنا المدلل الغارق في آلاء الله ونعمه , قليل الشكر كثير الذنب , أحب الله جدا ولكن المعاصي لم تدع لي وجها أقابل به ربي وليس لي إلا أن أطمع في رحمة ربي الواسعة لعله يقبلني . وأنا واقف بالباب لن أبرحه فليس لي غيره.

الخميس، 14 أكتوبر 2010

مدرسة الحج التربوية


بقلم: إسماعيل حامد
تتمثَّل عظمة الإسلام في أنه دين عملي وواقعي وحركي؛ ينطلق بالمسلم من حيث هو، يأخذ بيده ويرتقي به، ويُهذِّب من سلوكه ويُغيِّر من عاداته، وفق ما يلقاه المسلم في يومه من مواقف دينية أو دنيوية، وأنه دين لا يغفل أي موقف يحياه المسلم إلا ويجعله منطلقًا للارتقاء به، وأنه دين يجعل من عباداته رافدًا أساسيًّا في تربية النفس وتزكيتها وتهذيبها وإصلاحها، وأنه دينٌ يجعل الأخلاق مقترنةً بالعبادات في تلازم وتجانس بديع لتكون أثرًا من آثار العبادة المقبولة؛ فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وتعوِّد على الانضباط والإتقان، والزكاة مدرسة للبذل والعطاء وطهرة للنفوس وتكافل اجتماعي بنَّاء، والصيام ينمِّي الصبر بأنواعه ويوحِّد مشاعر المجتمع في حالة يعز نظيرها.

أما عبادة الحج فتتجسَّد فيها قمة العمل التربوي؛ لتصبح ميدان تربية متكاملة، وتهذيبًا قويمًا للنفس، وإصلاحًا وتغييرًا للسلوك، بصورة أكبر مما هي عليه في العبادات الأخرى؛ وذلك لما للحج من مكانةٍ في النفوس وشوقٍ في القلوب، ولهفةٍ وولعٍ يعتصر أفئدة المؤمنين، وإن من روعة هذا الدين أنه جعل من فريضة الحج مدرسة تربوية متكاملة؛ اجتمعت فيها غالبية العناصر التربوية المطلوبة في العمل التربوي الفعال، فنجد في الحج تلك العناصر:
* استعداد المُربَّى: ففي رحلة الحج تتحقق الرغبة واللهفة في نفس المسلم؛ حيث يحمله الشوق واللهفة إلى القيام برحلة الحج؛ شوقٌ إلى لقاء الله ورؤية بيته الحرام، وشوقٌ إلى السلام على الحبيب صلى الله عليه وسلم، وشوقٌ إلى تجديد العهد والبيعة مع الله، وهي مظاهر تدل على مدى حرص المسلم وإقباله طواعيةً على هذه العبادة؛ مما ييسِّر تحقُّق أهدافها التربوية في النفس.

* بيئة صالحة للتربية: فلا أروعَ من بيئةٍ تضمُّ بيت الله الحرام ومسجد الحبيب المصطفى والبقاع الطاهرة التي وقف عليها رسول الله، وموضع آثار أقدام الشهداء والمجاهدين من الصحابة الكرام، فتجتمع بذلك أطهر بيئة صالحة للتربية والتأثير والتغيير في نفس المسلم.

* صحبة صالحة مُعِينة: فإن المسلمَ يكون وسط جموع صالحة جاءت تُلبي نداءَ الرحمن؛ كل هدفها السعي إلى مرضاة الله، والفوز برضاه، تقدم العمل تلو العمل، لا تملك إلا أن تكون في معية الله وفي رحابه، فتكون تلك الصحبة خير معين على تزكيةِ النفس وتربيتها التربية الإيمانية.

* منهج تربوي متكامل: من خلال مناسك تتدرج بالمسلم خطوةً خطوة، وتسمو بنفسه، وتُعلي من إيمانياته، تأخذ بيده إلى الله، فنجد المسلم الحاج يقرأ فقه الحج والعمرة كاملاً بكل أحكامه، ويقرأ في الجوانب الروحية المنبثقة من الحج، وينظر في محظورات الإحرام لتجنبها، وأحكام الفدية والهدي وغير ذلك من قراءات تتعلق بالحج، ويظهر الأثر الحقيقي للمنهج هنا في حرص المسلم على الإلمام به كله إلمامًا تامًّا، متمثلاً جوانب المنهج الثلاثة (المعرفية والوجدانية والسلوكية).

* وسائل تربوية متعددة: تشمل الرحلة الطويلة والقصيرة الداخلية والخارجية، المبيتات الروحية والمعسكرات والمخيمات والندوات التي تقام طوال الرحلة، ووسائل تزكية النفس المتعددة من خلال الصلوات في الحرم، والاعتكاف فيه، والطواف والسعي؛ فنرى في الإحرام تربيةً، وفي التلبية تربيةً، وفي الطواف تربيةً، وفي السعي تربيةً، وفي رمي الجمرات تربيةً، وفي الحلق أو التقصير تربيةً، وفي الصلاة في الحرم تربيةً، وفي الاعتكاف تربيةً، ومن هنا فإن الحج مدرسة تربوية متكاملة؛ تربِّي المسلم تربية عقائدية وإيمانية وأخلاقية... إلخ.

وهذه هي مقومات النجاح لأي منهج تربوي: أن يتوفَّر لدى المتلقي له الرغبة في الإلمام به واستيعابه، وأن يتأثر به في أفعاله وتصرفاته، مع وجود منهجٍ تربوي مناسب وبيئة تربوية مُعِينة وصحبة صالحة تأخذ بيده، وهذا ما يقع للمسلم في رحلة الحج.
ومن صور مدرسة الحج التربوية أنها:
مدرسة للتربية الإيمانية
فمن خلال الحج تتحقَّق التربية الإيمانية وتتكامل وتبدو معالمها من خلال ما يلي:
- التربية على تعظيم شعائر الله: وهي من أعظم غايات الحج؛ حيث يتربَّى العبد على تعظيمها وإجلالها ومحبتها وإكرام أهلها والتحرُّج من المساس بها أو هتك حرمتها، ويزداد التعظيم والخضوع في قلب المسلم انطلاقًا من قوله جل شأنه في ثنايا آيات الحج: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (32)﴾ (الحج)، وتلك هي البداية؛ أن يعظِّم شعائر الله في رحلة الحج، ثم يتواصل في تعظيم شعائر الله بعد عودته، لتكون حياته كلها وفق منهج الله وشرعه، ويتربَّى أيضًا على تعظيم حرمات الله من خلال امتثال قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ (الحج: من الآية 30).

- التربية بالتذكير باليوم الآخر: في مواقف تحصل للحاج؛ منها (خروجه من بلده ومفارقته أهله يُذكِّر بالفراق حال الخروج من الدنيا- التجرد من المخيط وترك الزينة يُذكِّر بالكفن وخروج العباد من قبورهم حفاةً عراةً غرلاً- والترحال والتعب والازدحام مع العطش والعرق يُذكِّر بمواقف عرصات القيامة وحشر العباد)، ويعجب المرء حينما يجد الكثير من المسلمين- خاصةً من غير العرب- من يأتون من ديارهم ومعهم أكفانهم، يغسلونها بماء زمزم تبركًا به واستعدادًا للقاء الله، ومن ثَمَّ يعود المسلم بعد رحلةِ الحج، ولديه إقبال على الله ورغبة في لقائه.

- التربية على الإكثار من ذكر الله تعالى: الحج شعيرة يملؤها الذكر ويمنحها مزيدًا من الجلال والبهاء؛ قال سبحانه: ﴿فَاذْكُرُوا اللهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ (البقرة: من الآية 198)، وفي الحديث "إنما جعل الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله في الأرض"؛ فالإكثار من ذكر الله من شيم وصفات المؤمنين، وما أروع حداء المؤمنين وهم يجهرون بالتلبية مع كل صعود وهبوط في نواحي مكة!، وما أروع تكبيرهم وتهليلهم لله عز وجل في منى وعرفات والمزدلفة وعند المشعر الحرام!، إنه ذكر الله الذي به تطمئن القلوب.. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ أَلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28)﴾ (الرعد).

- التربية على اجتناب الذنوب: يقول تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ (البقرة: من الآية 197)، فهي دعوة وتربية على أن يتجاوز المسلم المعاصيَ ويتجنبها ولا يقع فيها أثناء أدائه لمناسك الحج، ومن ثَمَّ فهي تربية له لمواصلة ذلك بعد العودة.

- التربية على الاجتهاد في الطاعات واستغلال الوقت: وفي ذلك يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ (البقرة: من الآية 197)؛ فالمسلم في الحج يُحسن استغلال وقته في طاعة الله ما بين طواف وسعي وصلاة وذكر.. إلخ، ويتربَّى على حسن الاستفادة من وقته فيما يعود عليه بالخير والقبول عند الله.

- التربية على الدعاء ولذة مناجاة الله: فقد قال الحبيب صلى الله عليه وسلم: "خير الدعاء دعاء عرفة"، وفي الحج مواضع مقرونة بإجابة الدعاء؛ فضلاً من الله ومنةً؛ منها: الطواف، الصفا والمروة، يوم عرفة، عند المشعر الحرام، بعد رمي الجمرات، علمًا بأن الحج كله سوق رائجة رابحة للدعاء والابتهال والاستغفار، وهو تعويد للمسلم على اللجوء إلى الله دائمًا، وفي كل وقتٍ وحين، والأنس بمناجاته سبحانه وتعالى.

- التربية على الاستقامة بعد الحج: فالمسلم العائد من الحج يجد نفسه ملزمًا بالمحافظة على بقاءِ صفحته بيضاء بعد أن غفر الله له في الحج، وفي ذلك قال الحسن البصري رحمه الله: "الحج المبرور أن يرجع زاهدًا في الدنيا، راغبًا في الآخرة، ويشهد لذلك قوله تعالى:﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ (17)﴾ (محمد).
مدرسة للتربية الأخلاقية
فالحج مدرسة تربوية تقوم على تقويم الأخلاق وتهذيبها، وقد شُرع الحج لتقويم الكثير من الأخلاق ومنها:
- التربية على العفة وكظم الغيظ وترك الجدال: كما في قوله عز وجل: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ (البقرة: من الآية 197)؛ فالرفث هو الجماع ودواعيه من قولٍ أو فعلٍ، والجدال أن تجادل صاحبك حتى تُغضبه ويُغضبك؛ فهي صورة من صور غرس القيم في نفس المسلم، وترك المنهي عنه.

- التربية على اللين والرفق والسكينة: كما قال عليه الصلاة والسلام حين سمع جلبةً وصخبًا في الدفع لمزدلفة: "أيها الناس.. عليكم بالسكينة؛ فإن البر ليس بالإيضاع"، والإيضاع هو الإسراع؛ فالحاج يتربَّى في نسكه على أن يكون صاحب رفق وسكينة، وخشوع وطمأنينة؛ ليعتاد ذلك كله في حياته كما هي في عباداته.

- التربية على إنكار الذات: والاندماج في الجماعة في اللباس والهتاف، وفي التنقل والعمل؛ فإن النفس تذوب في هذا الكيان البشري الواحد، ويصبح الكل يتكلم بلغة واحدة وخطاب واحد وهتاف واحد وشعار واحد: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك"، فيتولد في النفس المسلمة شعور بأنه جزء من هذا الكيان، ويتضاءل حظ النفس وحب الأنانية في ذاته، فيكون مسلمًا اجتماعيًّا؛ يعيش لأمته ويحمل همومها ويتكلم بلسانها ويهب نفسه لها.

- التربية على التواضع: يستشعر المسلم ذلك حين لا يمتاز أحد عن أحد، ولا تكون لحاج خاصية أو ميزة عن غيره من الحجاج في الأمور الدينية؛ فالأركان والواجبات والمسنونات متماثلة في حق الجميع، فيتربَّى المسلم على روح التواضع الجم، ويحقِّق قوله تعالى: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (المائدة: من الآية 54)، ويعيش سعيدًا بانتمائه لهذه الحشود المؤمنة، ويُغلِّب روح التواضع على الكبر والعجب بالذات.

التربية على الصبر بأنواعه: صبر على مشقة الطاعة، وما أحلاها من طاعةٍ يصبر المسلم عليها رغم مشقتها ويسعد بأدائها!، وصبر عن المعصية، خاصةً مع التزاحم وكثرة الناس، فيُجنِّب نفسه الوقوع في المعاصي وما أكثرها وقت الحج!؛ بدءًا من تدافع وإيذاء للمسلمين، ونظرة هنا أو هناك، وصبر على قضاء الله الذي يعرض للحاج، من ابتلاء أو تمحيص أثناء رحلة الحاج، وفي ذلك تعويد له على الصبر على قضاء الله وقدره في حياته بشكلٍ عام.

- التربية على البذل والعطاء: فالحج عبادة بدنية مالية، وفي المشاعر تتسامى المشاعر فيبذل المسلم من ماله لسقيا الحجاج أو تفريج كربهم وسد حاجتهم، ونجد في الحج تسابقًا عجيبًا لهذا البذل والجود والكرم، وفي التاريخ نماذج رائعة؛ فهذا عبد الله بن المبارك الذي كان يحمل معه في رحلة الحج أكثر من ثلاثمائة يخرجون من بلدته "مرو" وعلى نفقته الخاصة، وغيره الكثير، وما نراه اليوم في الحج يؤكد تلك المعاني، من التسابق في البذل لإطعام الحجيج وإكرام وفادتهم.

- التربية على تحقيق معاني الأخوة والمحبة والتآلف: خاصةً حين يكون الحج مع رفقةٍ وصحبة، وتتلاقى الأنفس وتتعارف، وتأتلف القلوب والأرواح، وتتحقق زمرة القلب الواحد في أمة الإسلام في رحلة الحج وتتجسد في أروع صورة؛ فالحج مؤتمر إسلامي عالمي كبير؛ تتحقق فيه الوحدة الإسلامية بأروع صورها.
مدرسة للتربية الجهادية
وتُعَد فريضة الحج من أقوى الوسائل المُعِينة على مجاهدة النفس؛ مما يسهل معه قيادتها وتوجيهها، ومن الصور التي تبرز لنا من خلال الحج في هذا المجال:
- التربية على الاستسلام والخضوع لأمر الله والمجاهدة فيه: ويكون هذا بإيثار محبة الله ومرضاته على رغبات النفوس وشهواتها؛ مما يقود إلى مرتبةٍ أعلى ومنزلة أسمى حين لا يكون للعبد إيناس ولا استئناس إلا بما يُرضي الرب سبحانه، وحينها يبلغ إيمان المسلم درجةً عاليةً عزيزةً بفضل الله وتوفيقه، وينتصر على نفسه، ويخضع لشرع الله.

- التربية على صدق العزيمة وقوة الإرادة: فمن حج البيت فقد أرغم هواه وغالب لذة الراحة والدعة ومضى لأمرٍ يعلم مشقته ولا يستمع لقول القائل من المثبِّطين، وهكذا يجب أن يكون المسلم في أموره وحياته؛ يجاهد نفسه ويحملها على أن تكون صاحبة إرادة قوية لا يتطرَّق إليها ضعف.

- التربية على تحمُّل تبعات الطريق ومواجهة الصعاب: من خلال تحمُّل مشاق رحلة الحج وما فيها من غربة عن الأهل والأرض.

- التربية على تحمُّل تبعات الخطأ: فالمسلم مطالب بأن يكون شجاعًا في الاعتراف بالخطأ إذا وقع منه، وهي أعظم درجات الشجاعة، ويظهر ذلك جليًّا في وجوب الفدية على مَن ارتكب محظورًا من محظورات الإحرام أو ترك واجبًا، ولا شكَّ أن الشعور بالمسئولية وتحمُّلها علامة نضج وكمال الإنسان، وهي غاية من غايات التربية الناجحة؛ فالحج تربية على ذلك الأمر.

- التربية على هَجْر العاديات وتغيير المألوف : فالعاديات ما اعتاده الواحد من سكون ورخاء، ويكون هَجْرها بقوة التعلق برضا الله سبحانه وسلعته الغالية، وهي منزلةٌ عاليةٌ لا يصلها المسلم إلا بمجاهدة قوية لنفسه وشهواتها، والحج يكون فرصة لتحقق هذه المجاهدة، ومن ثم الاستمرار عليها بعد ذلك.
مدرسة للتربية الحركية- التربية على النظام والانضباط: فللمناسك ترتيب ونظام لا يقبل الإخلال بهما؛ وكم في الناس من مزاجية لا تنضبط إلا بالحج!؛ فالحج يعوِّد الأخ المسلم على أن يكون منضبطًا في أموره، حريصًا على الدقة والنظام، مراعيًا التسلسل الطبيعي للمناسك، والانضباط التام بكل ما تحويه تلك المناسك من أعمال، فلا يزيد ولا ينقص، ولا يُقدِّم ولا يؤخِّر، بل انقياد وانضباط تام.
- التربية على استشعار وتحمُّل المسئولية: فالحاج هو المسئول عن إتمام المناسك لا غيره، فيتربَّى على استشعار المسئولية الفردية، وتتولَّد لديه الذاتية والإيجابية للقيام بكل ما تتطلبه منه أعماله الحياتية والدعوية بشكلٍ عام.

- التربية على الجماعية في الأداء: فقد يكون في صحبة أو رفقة فيتولَّى بعض أمرهم، فيتاح له من التطبيق العملي والتدريب المكثَّف ما لم يكن متاحًا له بغير الحج، فيتربَّى على حسن القيادة وحسن الخدمة لإخوانه الحجاج معه، فيشعر بالسعادة والسرور إذا قدَّم خدمةً لغيره من الناس، فيساعد المحتاج ويحمل الضعيف ويواسي المنكوب ولو بالكلمة الطيبة، ويبادر دائمًا إلى فعل الخيرات.

- التربية على وجوب الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر : فاجتماع الناس بهذا العدد في الحج فرصة سانحة لدعوتهم وتصحيح مفاهيمهم وتقويم سلوكهم وعرض الدعوة عليهم، وقديمًا روي عن أحد الصالحين: "كنت أحج مع سفيان الثوري؛ فما يكاد لسانه يفتر من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ذاهبًا وراجعًا"، وقد كان الإمام البنا ينتهز فريضة الحج ليبلِّغ دعوته للحجيج من كل مكان؛ فكان يعرض دعوته وينشر رسالته، حتى يفتح الله على يديه، ويجد مَن يبايعه على هذه الدعوة المباركة، حتى يوصِّلها إلى العالمين، وقد كان بفضل الله.

تلك بعض الصور البسيطة التي تظهر لنا من آثار مدرسة الحج التربوية، وإلا فالدروس والعبر كثيرة، ولا تقف عند شكل ما، بل تمتد لتشمل حياة المسلم كلها، وحياة المجتمع من حوله، فتكون التربية من خلال فريضة الحج تربيةً ذات أثر إيجابي في الفرد والمجتمع؛ ولذلك كانت رحلة الحج هي رحلة العمر، والتي بها يبدأ عمر الإنسان من جديد، ويتجدَّد لديه الإيمان والإسلام، ويقوى فيه العزم والإرادة، وينشط فيه الحرص على الطاعة والعمل الصالح، فما أروعها من فرصةٍ للمسلم كي يغيِّر من نفسه ويرتقي بها!، وما أحوج المربِّين إلى الاستفادة من تلك الفريضة لتحقيق أهداف العمل التربوي من خلال رحلات حج جماعية، قد توفر الكثير من الوقت والجهد للوصول إلى الهدف المنشود في إصلاح النفوس وتربيتها وتزكيتها؛ لأن المسلم من خلال تلك الرحلة المباركة يكون قد عايش عناصر العملية التربوية كاملةً؛ (من استعداد نفسي وبيئة صالحة وصحبة صالحة ومنهج تربوي ووسائل تربوية)، وتفاعل معها وتأثر بها، وبالتالي لا بد أن يظهر الأثر بعد إتمام رحلة الحج المباركة في شخصية المسلم؛ فيُعينه الله في إحداث هذا التغيير الشامل في النفس ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ 17(محمد)، ويُعينه بأن يجعل صفحته السابقة بما حملت من آثام ومعاصٍ وذنوب كأنها لم تكن؛ فيبدأ المسلم في صفحة جديدة مع الله ومع النفس ومع الناس والمجتمع من حوله.

زكاة الأنعام

نصاب الأنعام :
زكاة الأنعام الثلاثة «البقر والإبل والغنم » . لزكاة الأنعام الثلاثة شروط :
الأول : أن لا تكون عوامل (أي لا تعمل) طوال السنة .
الثاني : أن تكون سائمة أي ترعى من علف الصحراء طوال السنة. فإذا أكلت تمام السنة أو بعضها من العلف المهيأ أو من زرع مالكها أو زرع شخص آخر لم يكن فيها زكاة.
الثالث : أن يحول عليها الحول .
ويلحق يالضأن المعز , ويلحق يالبقر الجاموس .
الإبل
من 24 فما دونها
عن كل خمسة شاة


من 25 – 35
بنت مخاض
التي بلغت سنة ودخلت في الثانية

من 36 – 45
بنت لبون
بلغت سنتين ودخلت في الثالثة

من 46 - 60
حَقة
بلغت ثلاث سنين ودخلت في الرابعة

61 - 75
جزعة
بلغت أربع سنين ودخلتت في الخامسة

من 76 - 90
2 بنت لبون


91 - 120
حقتان


121
3 بنت لبون



إذا بلغت 130 فأكثر
ففي كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة


البقر





30 - 40
تبيع أو تبيعة
التي بلغت سنة


40 فأكثر
مسنة
التي بلغت سنتين


60
2 تبيع



وهكذا في كل ثلاثين وفي كل أربعين
تبيع
مسنة


الغنم





من 40 – 120
شاة



121 - 200
شاتان



2001 - 300
ثلاثث شياه



فإن زادت عن ذلك
ففي كل مئة شاة


والله أعلم .
شعبان شحاته

الجمعة، 3 سبتمبر 2010

خطبة عبد الفطر

بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره , ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا .
من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له , شهادة تنجي قائلها من عذاب يوم عظيم , يوم يقوم الناس إلى رب العالمين .
وأشهد أن محمدًا عبد ورسوله وصفيه من خلقه وخليله . بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وكشف الله به الغمة , وجاهد في سبيل الله حتى أتاه اليقين .
اللهم صل عليه وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه وسلك طريقه إلى يوم الدين .
اللهم أحينا على سنته وتوفنا على ملته واحشرنا تحت لوائه ,وأوردنا حوضه , واسقنا من يده الشريفة شربة هنيئة لا نظمأ بعدها أبدًا .
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ }آل عمران102
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً }النساء1
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً} الأحزاب70 { يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَفَوْزًاعَظِيمًا}الأحزاب71 .
خطب النبي صلى الله عليه وسلم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أيها الناس إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء , ومنزل ترح لا منزل فرح . فمن عرفها لم يفرح لرخاء ولم يحزن لشقاء . ألا وإن الله خلق الدنيا بلوى والآخرة دار عقبى , فجعل بلوى الدنيا لثواب الآخرة سببًا وثواب الآخرة من بلوى الدنياعوضًا . فيأخذ ليعطي , ويبتلي ليجزي . إنها لسريعة الذهاب , وشيكة الانقلاب . فاحذروا حلاوة رضاعها لمرارة فطامها واحذروا لذيذ عاجلها لكريه آجلها ... فتكونوا لسخظه متعرضين , ولعقوبته مستحقين ). وقال : (أيها الناس: إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم هذه أبدًا، ولكنه رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحقرون من أعمالكم. فاحذروه على دينكم ) .
وقال الفاروق عمر :
أيها الناس أصلحوا سرائركم تصلح لكم علا نيتكم , وأصلحوا آخرتكم تصلح لكم دنياكم ) .
اشكروا الله كثيرًا واذكروه كثيرًا . لقد أمرتم بالصيام فصمتم , وبالقيام فقمتم , وبالزكاة فآتيتم ؛ فأبشروا بالثواب الجزيل والشكر الجميل من رب كريم .
لا يضيع عنده ثواب , ولا يرد من تاب , ولا يوصد في وجه من قصده باب .
نسأل الله أن يتقبل منا ومنكم سائر الأعمال , وأن يديم علينا نعمة القرب ولذة الطاعة .
أيها الإخوة الأحباب : إن من دروس شهر رمضان المبارك :
§ سرعة انقضاء الأيام , فمنذ أيام قليلة استقبلنا شهر رمضان واليوم نودعه . تصرمت ساعاته وأيامه ومرت نفحاته وبركاته , وهكذا تنفلت الأيام وتسرع الأعمار , وتنقلنا الخطا إلى يوم القيامة .
§ رمضان شهر الحياة مع كتاب الله : نسمعه ونتلوه ونتدبره ونفسره , فما أحلى العيش مع القرآن ونسأل الله تعالى أن يعيننا على المداومة عليه وعلى العمل به وتطبيقه في كل شؤونا .
§ رمضان شهر الكرم والجود , شهر الرحمة بالفقراء والمحتاجين , شهر التآخي والتواصل , شهر الأرحام .
§ فلا خصام ولا شحناء ولا إحن ولا بغضاء . فلنكن هكذا دومًا . قال الشافعي رحمه الله :
ولما عفوت ولم أحقد على أحد أرحت نفسي من هم العداوات
§ لقد حفظت لسانك عن الناس , فطهره بعد رمضان بل طول العام . فلا تخدش به الأعراض , ولا تؤذ به النفوس ولا تجرح به المشاعر .
§ رمضان شهر الجهاد : جهاد النفس والشهوات , جهاد العدو , شهر البطولات والانتصارات .
والجهاد به حياة الأمة وأن تركته ذلت , وإن تنكبت طريقه هانت . وهذا ما نراه في واقع الأمة المرير . وإن المسلم لتجرح كرامته في اليوم مرات وهو يشاهد المسلمين تقطع أوصالهم وتهتك أعراضهم , وتداس كرامتهم بلا حساب .
وهنا نذكر بماضي الأمة التليد , وتاريخها المجيد ؛ عندما تمسكت بفريضة الجهاد .
§ إن مستقبل المسلمين – حملة هذا الدين – هو النصر المبين {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ }النور55 .
( وكان حقًا علينا نصر المؤمنين ) الروم 47 .
( إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ) غافر 51 .
هُوَ ٱلَّذِى أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدّينِ كُلّهِ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ [الصف:9].
وإن هذا الدين هو سر بقاء هذه الأمة وو جودِها، إنها موعودة بالبقاء، بل بالنصر والتمكين، ولا يزال الله عز وجل يخرج لهذه الأمة في كل مرحلة من تاريخها علماء ودعاة وقادة ومجاهدين يستعملهم في خدمة هذا الدين، ولن يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا سيدخله الله هذا الدين، بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام وأهله، وذلاً يذل الله به الكفر وأهله، كما قال عليه الصلاة والسلام.
: ((لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة)) وفي لفظ للبخاري: ((لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم)) وفي لفظ لأحمد: ((لا يبالون من خالفهم أو خذلهم)).
قال النووي في شرحه لصحيح مسلم عن هذا الحديث: " قلت: ويحتمل أن هذه الطائفة مفرقة بين أنواع المؤمنين منهم شجعان مقاتلون , ومنهم فقهاء , ومنهم محدثون , ومنهم زهاد وآمرون بالمعروف وناهون عن المنكر , ومنهم أهل أنواع أخرى من الخير , ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين بل قد يكونون متفرقين في أقطار الأرض. وفي هذا الحديث معجزة ظاهرة ; فإن هذا الوصف ما زال بحمد الله تعالى من زمن النبي إلى الآن , ولا يزال حتى يأتي أمر الله المذكور في الحديث "اهـ كلامه.
لئن عرف التاريخ أوسا وخزرجا فلله أوسٌ قادمون وخزرجُ
وإن كنوز الغيب لتخفي طلائعـا صابرة رغم المكائد تخرج
§ رمضان شهر الإرادة القوية , في وقت نحتاج فيه إلى هذه الإرادة على مستوى المسؤولين والمحكومين على السواء .
§ رمضان شهر التفكر في الكون وفي الأهلة , والليل والنهار , وفي قيمة الوقت والزمن . وإن أغلى ما يملكه المرء هو الوقت . فالوقت هو الحياة , وهو رأس مال الإنسان الذي يتجر به وهو أرضه التي يغرس فيها .
§ رمضان شهر الدعاء والتضرع والابتهال , وما أحوجنا إلى الدعاء طول العام ؛ فعلى الجانب الشخصي ما أكثر المعاصي وعلى جانب الأمة ما أكثر المآسي .
فإلى من نلجأ , وبحمى من نلوذ ؟ . إن الافتقار إلى الله هو الغنى . فالمرء يجد الأذى من أقرب الأقارب , ومن أصحابه وأترابه , فهذا يخذله وقت احتياجه إلى النصر , وذاك يبخل عنه حين فقره , وآخر يؤذيه في عرضه , أو يجرح مشاعره .
ليعلم الإنسان أنه لا راحة له إلا مع الله : يجد عنده الرحمة والعفو والود الكريم والأنس الحبيب .
§ والدرس الأخير هو الفرحة بالثواب : الفرح بالعيد , فلا صيام ولا خصام ولازيارة مقابر ولا اجترارأحزان .
إنه منهج الإسلام القويم الذي يحترم طبيعة الإنسان ؛ فيعرف كيف يقومه , كيف يعلمه الصبر وقوة الإرادة , كيف يفرحه ويسعده . إنه دين الله العظيم .
ويبقى الأمل في الفرح الكبير يوم العرض الأكبر , يوم يعفو الرب الكريم , عندمت تزف الملائكة المؤمنين ( لايحزنهم الفزع الأكبروتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون ) الأنبياء 103.
وعلى الله قصد السبيل
شعبان شحاته
Hudahuda2007@yahoo.com

الأربعاء، 28 يوليو 2010

من فقه الصيام

إفطار الكبير والحامل والمرضع
يجوز للشيخ الكبير الذي يجهده الصوم ويشق عليه مشقة شديدة، ومثله المرأة العجوز طبعًا، يجوز لهما أن يفطرا في رمضان، ومثلهما كل مريض لا يرجى شفاؤه من مرضه.

المريض مرضًا مزمنًا، قرر الأطباء أنه مستعص على العلاج، أو أنه مزمن معه، يجوز له أن يفطر، وهؤلاء إذا أفطروا عليهم فدية طعام مسكين عن كل يوم، رخصة من الله وتيسيرًا . وقال تعالى: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) (البقرة: 185)، (وما جعل عليكم في الدين من حرج) (سورة الحج: 78) وقال ابن عباس رضي الله عنهما: " رخص للشيخ الكبير أن يفطر، ويطعم عن كل يوم مسكينًا، ولا قضاء عليه " (رواه الدارقطني والحاكم وصححاه)، وروى البخاري عنه قريبًا من هذا: أن في الشيخ الكبير ونحوه نزل قوله تعالى: (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرًا فهو خير له) (البقرة: 184) أي من زاد عن طعام المسكين فهو أفضل وأبقى له عند الله . فالشيخ الكبير، والمرأة العجوز، والمريض الذي لا يرجى برؤه من مرضه، كل هؤلاء لهم أن يفطروا ويتصدقوا عن كل يوم طعام مسكين.

هل يصح للمرأة الحامل أن تفطر في رمضان إذا خافت على جنينها أن يموت ؟
نعم .. لها أن تفطر .. بل إذا تأكد هذا الخوف أو قرره لها طبيب مسلم ثقة في طبه ودينه، يجب عليها أن تفطر حتى لا يموت الطفل، وقد قال تعالى :(ولا تقتلوا أولادكم) (الأنعام: 151، والإسراء: 31) وهذه نفس محترمة، لا يجوز لرجل ولا لامرأة أن يفرط فيها ويؤدي بها إلى الموت . والله تعالى لم يعنت عباده أبدًا، وقد جاء عن ابن عباس أيضًا أن الحامل والمرضع ممن جاء فيهم (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين).

وإذا كانت الحامل والمرضع تخافان على أنفسهما فأكثر العلماء على أن لهما الفطر وعليهما القضاء فحسب .. وهما في هذه الحالة بمنزلة المريض.

أما إذا خافت الحامل أو خافت المرضع على الجنين أو على الولد، نفس هذه الحالة اختلف العلماء بعد أن أجازوا لها الفطر بالإجماع هل عليها القضاء أم عليها الإطعام تطعم عن كل يوم مسكينًا، أم عليها القضاء والإطعام معًا، اختلفوا في ذلك، فابن عمر وابن عباس يجيزان لها الإطعام وأكثر العلماء على أن عليها القضاء، والبعض جعل عليها القضاء والإطعام، وقد يبدو لي أن الإطعام وحده جائز دون القضاء، بالنسبة لامرأة يتوالى عليها الحمل والإرضاع، بحيث لا تجد فرصة للقضاء، فهي في سنة حامل، وفي سنة مرضع، وفي السنة التي بعدها حامل .. وهكذا .. يتوالى عليها الحمل والإرضاع، بحيث لا تجد فرصة للقضاء، فإذا كلفناها قضاء كل الأيام التي أفطرتها للحمل أو للإرضاع معناها أنه يجب عليها أن تصوم عدة سنوات متصلة بعد ذلك، وفي هذا عسر، والله لا يريد بعباده العسر. هذا بالنسبة للسؤال الثاني.

من غلبه الجوع والعطش وخاف الهلاك
ومن أصحاب الأعذار من يجب عليه الفطر وجوبًا، ولا يكون مجرد رخصة.
قال العلماء: من غلبه الجوع والعطش فخاف الهلاك لزمه الفطر، وإن كان صحيحًا مقيمًا، لقوله تعالى: (ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما) (النساء: 29)، وقوله: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) (البقرة: 195). وقوله: (وما جعل عليكم في الدين من حرج) (الحج: 78).

ويلزم القضاء كالمريض (انظر: المجموع للنووي -6 / 258).

الحامل والمرضع
للمرأة في أحكام الصيام نصيب أكبر من الرجل، فهي تشاركه في عامة الأحكام وتختص هي بأمور لا يشاركها فيها.
ذلك أن القدر حملها ما لم يحمل الرجل من متاعب الحياة، فهي تعاني الدورة الشهرية التي كتبها الله على بنات آدم، أو ما يسمى في الشرع (الحيض) ومثله حالة الولادة أو النفاس، وهما العذران اللذان أوجبا عليها الفطر، وحرم عليها الصوم بسببهما.
وقبل الولادة، تكون حالة الحمل، وهي كما صورها القرآن، وهو يوصي الإنسان بالإحسان بوالديه، فيقول: (حملته أمه كرهًا ووضعته كرها) (الأحقاف :15).

وفي آية أخرى: (حملته أمه وهنا على وهن) (لقمان :14).
إنها حالة الوحم والغثيان والثقل والألم، التي تتحملها الأم طوال تسعة أشهر صابرة، بل سعيدة راضية حتى يخرج جنينها إلى نور الحياة.

وبعد الولادة وما يصحبها من آلام تبدأ مرحلة أخرى، هي مرحلة الإرضاع والفصال التي قد تطول إلى عامين، كما قال تعالى: (وفصاله في عامين) (لقمان: 14) وقال: (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة) (البقرة: 233).
والمرأة في حالة الحمل قد تخاف على نفسها من مشقة الصوم، وقد تخاف على حملها في بطنها الذي أصبح جزءا منها، فغذاؤه منها، وبقاؤه بها، أو تخاف عليهما معا.
وهي في حالة الرضاع أيضًا قد تخاف على نفسها أو على رضيعها. أو على الاثنين جميعا.

فما الحكم في مختلف هذه الحالات؟
لقد أجمع الفقهاء على أن من حق كل منهما (الحامل والمرضع) أن تفطر في كل هذه الأحوال، وفي هذا جاء حديث: " إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة، وعن الحامل والمرضع الصوم" (رواه النسائي وابن ماجه).
ولكن ماذا عليهما، بعد أن تفطرا ؟.

أتعاملان معاملة المريض العادي، فيجب عليهما قضاء عدة من أيام أخر بعد أن تنتهي حالة الحمل والإرضاع؟.
أم تعاملان معاملة الشيخ الكبير والمرأة العجوز، والمريض الذي لا يرجى برؤه فتفديان وتطعمان عن كل يوم مسكينًا، أو تعفيان من الفدية أيضا؟.

أم يختلف حكم الحامل عن حكم المرضع، وحكم من تخاف على نفسها، ومن تخاف على ولدها؟.
بكل احتمال من هذه الاحتمالات قال بعض الفقهاء.

ومعظم الفقهاء، أخذوا بالاحتمال الأول وعاملوا كلتيهما معاملة المريض وقالوا: تفطران وتقضيان.
ومذهب ابن عمر وابن عباس من الصحابة، وابن جبير وغيره من التابعين: أن عليهما الفدية، أي الإطعام، ولا قضاء عليهما.
روى عبد الرزاق في مصنفه: أن ابن عمر سئل عن امرأة أتي عليها رمضان وهي حامل؟ قال: تفطر وتطعم كل يوم مسكينًا.
وروي عن ابن عباس: أنه كان يأمر وليدة له حبلى، أن تفطر في شهر رمضان، وقال: أنت بمنزلة الكبير لا يطيق الصيام، فأفطري، وأطعمي عن كل يوم نصف صاع من حنطة.
وعن سعيد بن جبير قال: تفطر الحامل التي في شهرها، والمرضع التي تخاف على ولدها، تفطران، وتطعم كل واحدة منهما، كل يوم مسكينًا، ولا قضاء عليهما.

وروي نحو ذلك عن القاسم بن محمد وقتادة وإبراهيم.

كما روى عبد الرزاق عن بعض السلف أيضًا، أن على الحامل والمرضع القضاء ولا تطعمان (انظر المصنف لعبد الرزاق -4 / 216 - 219).
وذكر ابن كثير الخلاف الكثير بين العلماء في شأنهما قال: فمنهم من قال: تفطران وتفديان وتقضيان وقيل: تفديان فقط، ولا قضاء. وقيل: يجب القضاء بلا فدية. وقيل: تفطران ولا فدية ولا قضاء ( تفسير ابن كثير -215/1).

والذي أرجحه هو الأخذ بمذهب ابن عمر وابن عباس في شأن المرأة التي يتوالى عليها الحمل والإرضاع، وتكاد تكون في رمضان، إما حاملا، وإما مرضعا. وهكذا كان كثير من النساء في الأزمنة الماضية، فمن الرحمة بمثل هذه المرأة ألا تكلف القضاء وتكتفي بالفدية، وفي هذا خير للمساكين وأهل الحاجة.

أما المرأة التي تتباعد فترات حملها، كما هو الشأن في معظم نساء زمننا في معظم المجتمعات الإسلامية، وخصوصًا في المدن. والتي قد لا تعاني الحمل والإرضاع، في حياتها إلا مرتين أو ثلاثًا، فالأرجح أن تقضي كما هو رأي الجمهور.

إذ الحكم مبني على مراعاة التخفيف، ورفع المشقة الزائدة، فإذا لم توجد ارتفع الحكم معها، إذ الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.

قضاء رمضان
ومن كان عليه صيام أيام من رمضان، أفطر فيه بعذر، كالمريض والمسافر والحائض، والنفساء، ومن شق عليه الصوم، مشقة شديدة، فأفطر، والحامل والمرضع، عند من يرى عليهما القضاء، فينبغي له أن يبادر بقضاء ما فاته بعدد الأيام التي أفطر فيها، تبرئة لذمته، ومسارعة إلى أداء الواجب، واستباقًا للخيرات.
أما المريض والمسافر فقضاؤهما ثابت بالقرآن: (فعدة من أيام أخر) وأما قضاء الحائض والنفساء، فهو ثابت بالسنة، عن عائشة: كنا نحيض في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فكنا نؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة.

ولا يأثم بالتأخير مادام في نيته القضاء لأن وجوب القضاء على التراخي، حتى كان له أن يتطوع قبله على الصحيح.
ويدل على ذلك أن عائشة رضي الله عنها قالت: كان يكون علىَّ الصيام من رمضان، فما أستطيع أن أقضي إلا في شعبان (متفق عليه، اللؤلؤ والمرجان -703).

وكذلك من أفطر بغير عذر من باب أولى، كمن أفسد صومه عامدًا، بما يوجب الكفارة، كالجماع، أو بما لا يوجب الكفارة، كالأكل أو الشرب، عند أكثر الفقهاء فعليه القضاء أيضًا، كما بينا ذلك في موضعه.

ويجوز أن يكون قضاء رمضان متتابعًا وهو أفضل، مسارعة إلى إسقاط الفرض، وخروجًا من الخلاف (فقد أوجبه بعض العلماء لأن القضاء يحكى الأداء، وهو متتابع) وأن يقضيه مفرقًا، وهو قول جمهور السلف والخلف، وعليه ثبتت الدلائل، لأن التتابع إنما وجب في الشهر لضرورة أدائه فيه، فأما بعد انقضاء رمضان، فالمراد صيام عدة ما أفطر، ولهذا قال تعالى: (فعدة من أيام أخر) ولم يشترط فيها تتابعا.. بل قال بعدها: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر).
ومن أفطر في قضاء رمضان متعمدًا ولو بالجماع فلا كفارة عليه، وإنما عليه يوم مكان يوم، وذلك لأن الأداء متعين بزمان له حرمة خاصة، فالفطر انتهاك له، بخلاف القضاء، فالأيام متساوية بالنسبة إليه.

ومن أتى عليه رمضان آخر، ولم يقض ما عليه من رمضان الفائت، فإن كان ذلك بعذر فلا شيء عليه بالإجماع، لأنه معذور في تأخيره. فيلزمه القضاء فقط .

وإن كان تأخيره للقضاء بغير عذر، فقد جاء عن عدد من الصحابة: أن عليه عن كل يوم إطعام مسكين، كفارة عن تأخيره مع القضاء .

وأخذ بذلك مالك والثوري والشافعي وأحمد وغيرهم (المغني مع الشرح الكبير -81/2).

وهناك رأي آخر: أن لا شيء عليه غير القضاء وهو رأي النخعي وأبو حنيفة وأصحابه، ورجحه صاحب (الروضة الندية) لأنه لم يثبت في ذلك شيء، صح رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وغاية ما فيه آثار عن جماعة من الصحابة من أقوالهم، وهي ليست حجة على أحد، ولا تعبد الله بها أحدًا من عباده، والبراءة الأصلية، مستصحبة فلا ينقل عنها إلا ناقل صحيح (الروضة الندية لصديق حسن خان -232/1).

وأرى الأخذ بما جاء عن الصحابة على سبيل الاستحباب، لا الوجوب، فهو نوع من جبر التقصير بالصدقة، وهو أمر مندوب إليه. أما الوجوب فيحتاج إلى نص من المعصوم ولم يوجد.
ومن الأحكام :
أجاز الشافعية وبعض العلماء المتأخرين قضاء أيام من رمضان بنية القضاء ونية النافلة باعتبارها من الأيام البيض أي الستة من شوال .
واشترطوا النية لهذا الجواز .
المرأة التي تتناول أقراص منع الحمل لتأخر نزول الدم لكي تصوم رمضان كاملا ...
قال العلماء بالجواز .
ولكن الأصل أن يسير الأمر على الطبيعة فلا تكلف نفسها غير ما كتب الله لها ، مع مظنة حدوث ضرر في البدن بسبب حبس الحيض .
كما أن هناك سؤالا يأتينا من أخواتنا الفضليات :
ينزل على المرأة بعض نقاط الدم في أيام متفرقة وهي قليلة جدا ؛ فهي ليست بحيض ، وهي قد تناولت حقنة تأخير نزول الدورة . فما الحكم ؟ .
ومثل هذه الأسئلة كثير ، وأرى أن أجعل الاتصال والتحاور مجالا لمثل هذه الأسئلة لأن لكل فرد حالة قد تختلف عن الآخر والله أعلم .
Hudahuda2007@yahoo.com

جمع المادة / شعبان شحاته

السبت، 10 يوليو 2010

أحداث شهر شعبان

شهر شعبان من الأشهر التي لها مكانةٌ عظيمةٌ في الإسلام؛ حيث تُرفع فيه الأعمال لله عز وجل.. وكلمة شعبان تعني كما جاء في كتاب (مختار الصحاح): ش ع ب الشَّعْب بوزْن الكَعْب ما تَشعَّب مِن قَبائِل العَرَب والعَجَم والجمع شُعُوب، وهو أيضًا القَبِيلة العَظِيمة، وقيل أكْبَرُها الشَّعْب ثم القَبِيلة ثم الفَصِيلة ثم العِمارة بالكسر ثم البَطْن ثم الفَخِذ، وشَعبَ الشَّيْءَ فَرَّقه، وشَعَبَه أيضًا جَمَعه من باب قَطَع وهو من الأضْداد، وفي الحديث "ما هَذِه الفُتْيَا التي شَعَبْتَ بها النَّاسَ" أي فَرَّقْتَهم، والشُّعْبة واحدةُ الشُّعَب وهي الأَغْصَان، وجمع شَعْبان شَعْبانات.

الغزوات والمعارك
* في 9 من شعبان 932هـ= 21 من مايو 1526م: السلطان المسلم بابر شاه ينتصر على جيش هندي ضخم، يضمُّ 100 ألف جندي وألف فيل في معركة "بانيبات" التي استمرت 7 ساعات فقط، وينتمي بابر شاه إلى سلالة تيمور التي أقامت حكمًا إسلاميًّا في الهند استمر 3 قرون.

* معركة الحُصَيْد: بين المسلمين بقيادة "القَعْقَاع بن عمرو"، والفُرس بقيادة "رُوزَبَه"، وكانت في 10 من شعبان 12 هـ= 20 من أكتوبر 633م، وانتصر المسلمون، وفرَّ الجيش الفارسي بعد مقتل قائدهم.

* 15 من شعبان 1294هـ= 25 من أغسطس 1877م: القائد العثماني أحمد مختار باشا ينتصر على الجيش الروسي في معركة "كدكلر"، ويحصل من السلطان العثماني "عبد الحميد الثاني" على لقب "غازي" لانتصاراته المتعددة على الجيوش الروسية.

* في 18 من شعبان 967هـ= 14 من مايو 1560م الأسطول العثماني بقيادة طرغد باشا ينتصر على الأسطول الأسباني الصليبي في معركة "جربا" قرب تونس، في واحدةٍ من كبرى المعارك البحرية في التاريخ العالمي في تلك الفترة، ويقتل أكثر من ثلثي بحَّارة الأسطول الأسباني، في حين لم يسقط من العثمانيين سوى ألف شهيد فقط.

* 20 من شعبان 852هـ= 19 من أكتوبر 1448م، السلطان العثماني مراد الثاني ينتصر على جيوش أوروبا المسيحية المؤلَّفة من مائة ألف مقاتل في معركة كوسوفا بعد 3 أيام من القتال الشرس الذي قُتِل فيه 17 ألف أوروبي، وتُعدُّ هذه الحملة الأوروبية هي الحملة السادسة التي تجهِّزها أوروبا لطرد العثمانيين من أوروبا لكنها فشلت في تحقيق الهدف.

* في 23 من شعبان 13هـ= 22 من أكتوبر 634هـ، نشوب معركة الجسر بين المسلمين بقيادة "أبي عبيد" والفرس بقيادة ذي الحاجب "بهمن بن جاذويه"، وكانت معركةً هائلةً استُشهد فيها أبو عبيد، وتولَّى القيادة المثنى بن حارثة، ولم يوفَّق المسلمون في تحقيق النصر، وإن أبلَوا بلاءً حسنًا في المعركة.

* نشوب معركة "أُلَّيْس الصغرى" بين المسلمين بقيادة "المثنَّى بن حارثة" والفرس في 24 من شعبان 13هـ= 23 أكتوبر 634م، وكان النصر فيها حليفًا للمسلمين.

مواليد
* مولد الصحابي الجليل عبد الله بن الزبير، أول مولود في الإسلام، في 2 من شعبان 2هـ= 29 من يناير 624م، نشأ في بيت نُبل وشرف، وعلم وحكمة، فأبُوه الصحابي الجليل الزبير بن العوام، وأمُّه أسماء بنت أبي بكر الصديق، وخالتُه أم المؤمنين عائشة، وُصف بالشجاعة والإقدام، ودعا لنفسه بالخلافة بعد وفاة معاوية بن يزيد سنة 64هـ.

* في 3 من شعبان 4هـ= 9 من يناير 626م، مولد الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وُلد في المدينة المنورة، وكان حِبَّ النبي- صلى الله عليه وسلم- هو والحسن، دعا لنفسه بالخلافة بعد وفاة معاوية بن أبي سفيان وتولِّي ابنِه الخلافة؛ حيث لم يرضَه الحسين خليفةً للمسلمين، استُشهد في واقعة كربلاء الشهيرة.

* في 15 من شعبان 476هـ= 28 من ديسمبر 1083م، مولد العالم الكبير أبي الفضل عياض بن موسى اليحصبي السبتي، المعروف بالقاضي عياض، حافظ المغرب، وأحد أئمة العلم في القرنين الخامس والسادس الهجريَّين، وصاحب المؤلفات المعروفة في الحديث والفقه والتاريخ، ومن أشهرها: مشارق الأنوار، والإلماع.

* 15 من شعبان 1217هـ= 11 من ديسمبر 1803م مولد العالم الجليل أبي الثناء شهاب الدين محمود الآلوسي، أحد أئمة العلم في القرن الثالث عشر الهجري، وصاحب التفسير المعروف بـ(روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني).

* مولد السلطان العثماني عبد الحميد الثاني في 16 من شعبان 1258هـ= 22 سبتمبر 1842م، ويُعدُّ من السلاطين العظام في تاريخ الدولة العثمانية قبيل غروب شمسها، وزوال خلافتها، وحفل حكمُه الذي امتدَّ أكثر من 31 عامًا بكثير من الأحداث، استخدم فيها السلطان دهاءَه السياسيَّ للمحافظة على إمبراطوريته المترامية الأطراف من التفكك والضياع.

* في 25 من شعبان 625هـ= 31 من يوليو 1227م، مولد الفقيه الشافعي الكبير تقيّ الدين محمد بن علي بن وهب، المعروف بابن دقيق العيد، أحد أعلام القرن السابع الهجري، له مؤلفات كثيرة، ومواقف محمودة.

* مولد الإمام حسن البنا، مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، كبرى الحركات الإسلامية المعاصرة في 25 من شعبان 1324هـ= 14 من أكتوبر 1906م.

وفيـات
* في 1 شعبان 1409هـ= 9 مارس 1989م، وفاة العالم الجليل سعيد حوَّى مراقب جماعة الإخوان المسلمين في سوريا، وصاحب المؤلفات المعروفة من أشهرها: الأساس في التفسير والأساس في السيرة.

* وفاة الخليفة أبي عبد الله المعتزّ بن المتوكل بن المعتصم، في 2 من شعبان 255هـ= 16 من يوليو 868م، وهو الخليفة الثالث عشر في سلسلة خلفاء الدول العباسية، تولَّى الحكم سنة 252هـ، وظل في منصبه ثلاث سنوات ونصف السنة، وخلفه المهتدي بالله.

* في 6 من شعبان 1398هـ= 7 من يوليو 1978م، وفاة الفقيه الكبير الشيخ علي الخفيف، أحد أئمة الفقه المعروفين في القرن الرابع عشر الهجري، وصاحب المؤلفات العميقة في الفقه والتشريع، تخرَّج في مدرسة "القضاء الشرعي"، وعمل بالقضاء فترةَ، ثم عمل بجامعة القاهرة في كلية الحقوق أستاذًا للشريعة الإسلامية.

* 19 من شعبان 1413هـ= 12 من فبراير 1993م، وفاة المحدِّث الكبير "عبد الله بن محمد الغماري"، أحد كبار المحدثِّين في القرن الرابع عشر الهجري، وصاحب المؤلفات المتعددة في الحديث.

* في 21 من شعبان 1208هـ= 25 من مارس 1793م وفاة الإمام الأكبر "أحمد العروسي"- شيخ الجامع الأزهر- وهو الشيخ الحادي عشر في سلسلة شيوخ الجامع الأزهر، اشتُهر العروسي بمواقفه الشجاعة، ووقوفه مع الحق، ومؤازرته للشعب ضد عسف بعض المماليك في مصر، له مؤلفاتٌ وآثارٌ علمية، منها: "مختصر العروسي في الفقه".

* 28 من شعبان 456هـ= 15 من يوليو 1064م، وفاة الإمام الكبير محمد بن علي بن أحمد بن سعيد بن حزم، المعروف بابن حزم، أحد أعلام المسلمين في القرن الخامس الهجري، وصاحب المؤلفات المعروفة في الفقه والتاريخ ومقارنة الأديان، ومن أشهرها المحلَّى، والفصل في الملل والأهواء والنحل، وإحكام الأحكام، وجمهرة أنساب العرب.

* في 30 من شعبان 415هـ= 10 من نوفمبر 1024م، وفاة أبي القاسم عبيد الله بن عبد الله بن الحسين الخفاف المعروف بابن النقيب، أحد أئمة السنَّة في القرن الخامس الهجري، وُلد سنة 305هـ، وعاصَر من الخلفاء العباسيين: المقتدر والقاهر والراضي والمتقي والمستكفي والمطيع والطائع والقادر والغالب بالله، ومات عن عمر يناهز 110 سنوات.

أحداث متنوعة
* في 3 من شعبان 646هـ= 21 من نوفمبر 1248م.. سقوط مدينة إشبيلية، كبرى الحواضر الأندلسية في أيدي "فرناندو الثالث" ملك قشتالة، وكان سقوطها تاليًا لسقوط عدد من المدن الإسلامية الأندلسية، مثل: قرطبة، وبلنسية، وجيان، وأصبح الوجود الإسلامي في الأندلس محصورًا في مملكة غرناطة في الجنوب.

* 4 شعبان 1367هـ= 11 يونيو 1948م.. بدء الهدنة الأولى في فلسطين بين الجيوش العربية والعصابات اليهودية، وكان الوسيط الدولي في هذه الهدنة الكونت "فولك برنادوت"، الذي اغتاله اليهود بسبب اقتراحه وضْعَ حدٍّ للهجرة اليهودية في فلسطين، ووضْع القدس كلها تحت السيادة الفلسطينية!!

* في 7 من شعبان 12هـ= 17 من أكتوبر 633م.. خروج أبي عبيدة بن الجراح- رضي الله عنه- قائدًا على أحد الجيوش الأربعة التي أرسلها الخليفة أبو بكر الصديق- رضي الله عنه- لفتح الشام، وأبو عبيدة من السابقين في الإسلام، وشارك مع النبي- صلى الله عليه وسلم- في غزواته وسراياه، وشارك في الفتوحات الإسلامية في عهد أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهم جميعًا.

* 13 من شعبان 1339هـ= 24 مارس 1920م.. وضْع فلسطين تحت الانتداب البريطاني بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، وقد مكَّن هذا الوضع من ازدياد الهجرة اليهودية إلى فلسطين في موجات متتابعة، والتمكين لهم، وطرد السكان العرب، وانتهى هذا الوضع المأساوي بقرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين سنة 1947م.

* في 13 من شعبان 1425هـ= 27 من سبتمبر 2004م.. فوز مسلمتَين من أصل مغربي في انتخابات مجلس الشيوخ الفرنسي، في سابقةٍ هي الأولى من نوعها لمسلمي فرنسا، وكانت المسلمتان قد ترشَّحتا ضمن قائمتَين تابعتَين لحزبَين يساريَّين.

* 14 من شعبان 1402هـ= 6 يونيو 1982م.. القوات "الإسرائيلية" بقيادة وزير الدفاع
"شارون" تغزو لبنان، وترتكب مذبحة "صابرا وشاتيلا" ضد الفلسطينيين، وكان من نتائج هذا الغزو تأسيس حزب الله اللبناني تحت زعامة الشيخ "محمد حسين فضل الله"؛ حيث قاد هذا الحزب المقاومة حتى تحرير أغلب الجنوب اللبناني، وخَسِرت "إسرائيل" في هذا الغزو أكثر من 900 جندي قتيل.

* 21 من شعبان 489هـ= 15 من أغسطس 1096م.. إعلان البابا أوربان الثاني هذا التاريخ موعدًا لتجمُّع الحملة الصليبية في القسطنطينية، والتأهُّب لبدء الحملة على المشرق الإسلامي، والاستيلاء على بيت المقدس وتخليصه من أيدي المسلمين.

* في 21 من شعبان 559هـ= 19 من يوليو 1164م.. صلاح الدين الأيوبي يستعيد حمص من يد الصليبيين بعد أن حاصرها، وبفتحها صار أكثر الشام تحت يده.

* 22 من شعبان 588هـ= 2 من سبتمبر 1192م.. قيام كلٍّ من صلاح الدين الأيوبي، وريتشارد قلب الأسد بعقْد صلح عُرِف بـ"صلح الرملة" بعد أن فشلت الحملة الصليبية الثالثة في تحقيق أهدافها، واتفق الطرفان على أن يُسمَح للمسيحيين بالحجِّ إلى بيت المقدس في أمن وأمان، وأن يحكم الصليبيون الساحل الشامي من صور إلى يافا.

* 23 من شعبان 492هـ= 15 من يوليو 1099م.. سقوط بيت المقدس- ردَّ الله غربتها- في أيدي الصليبيين في حملتهم الأولى على المشرق الإسلامي، وقد دام حصارُهم للمدينة أكثر من أربعين يومًا سقطت بعدها، وحين دخلوا المدينة أقاموا بها المذابح، وقتَّلوا الأبرياء من الرجال والنساء والأطفال!!
طارق عبد الرحمن / إخوان أون لاين

الأربعاء، 30 يونيو 2010

من دروس الإسراء والمعراج

الحمد لله رب العالمين نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونعوذ بالله العظيم من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا إنه من يهده الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا.وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحي ويميت وهو على كل شيء قدير يقول تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (1)﴾ (الإسراء)، وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله يقول النبي- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-: "كلكم يدخل الجنة إلا من أبى قالوا ومَن يأبى يا رسول الله قال مَن أطاعني دخل الجنة ومَن عصاني فقد أبى"، اللهم صلِّ وبارك على هذا النبي وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا أما بعد؛؛؛أيها المسلمون: كانت الأحداث التي أحاطت بالنبي- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- مقدمةً لمعجزة الإسراء والمعراج فكانت هذه المعجزة تسرية وتسلية لرسول الله واحتفاء به في ملكوت السموات بعدما لاقى من عنت القوم ووفاة زوجته وعمه ولجوئه إلى الله مناجيًا لما يلقاه من أهل الأرض فيقول له ربه: ﴿وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (127) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (128)﴾ (النحل)، وهذه إشارة لرسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- أنَّ ربَّه الذي كلَّفه بهذه الرسالة السامية بلا شك سينصره رغم هذه الشدائد فهل تعلمت الأمة من رسولها ؟ .أيها المسلمون :إن الحديث عن الإسراء لا نريد به القصة بقدر ما نريد منه الدروس والعبر فالأحداث العظيمة تتم وتقع لنتعلم منها ونخرج منها بالدروس والعبر التي نسير عليهاأولاً : جعل الله لهذه الحادثة العظيمة والمعجزة الكبرى سورة في القرآن ا لكريم تسمى سورة الإسراء.ذكر الله :ثانيًا: تبدأ السورة بكلمة سبحان فيها التنزيه والتعظيم والإجلال والانبهار بهذه المعجزة من ألفها إلى يائها فكانت كلها بقدر الله وبقدرة الله عز وجل .والأمةَ تتعلم درس التسبيح والتعظيم والتمجيد لله عز وجل فتعيش مسبحة موصولة بربها .تعيش و لسان كل فرد فيها رطب بذكر الله .ولم لا والكون كله مسبح لله يقول تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ (الإسراء: من الآية 44) وكل عبادة في هذا الدين الحنيف لها حد ووقت إلا الذكر ليس له حد ولا وقت ولا حال يقول تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191)﴾فينبغي أن تعيش الأمة مسبحة لله وذاكرة لله، فهذا الرجل الذي سأل النبي- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- عن عباده يسهل تطبيقها وترفع درجته عند ربه فقال له المعصوم- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-: " لا يزال لسانك رطبا بذكر الله".أيها المسلمون : أن تعيش الأمة مسبحة فهذه كانت وصية خليل الله إبراهيم للمعصوم- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- فقال: يا محمد أقرئ أمتك مني السلام وأخبرهم أن الجنةَ طيبة التربة وأنها قيعان، وأن غراسها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله".. فهل تعلَّمت الأمة كيف تغرس لنفسها في جنة الله؟أيها المسلمون: إن الأمة الذاكرة لربها أمة منصورة لأنها أمة موصولة بالله، وأما الأمة الناسية لربها المعرضة عن هديه ومنهاجه فهي التي تعيش في الضنك والشقاء: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى (126)﴾ (طه).وهذا نبي الله سليمان الذي آتاه الله ملكا لم يعطه لأحد قبله ولم يعطه لأحد بعده يعلم الرجل الذي تعجب من ملك آل داود فقال سبحان الله لقد آتى الله آل داود ملكًا عظيمًا فقال له يا رجل :ز إن قولك سبحان الله هي أعظم عند الله من ملك آل داود.أيها المسلمون: من هنا نقول إن الدرس الأول هو التسبيح والذكر لله وليكن درسا عمليا بمعنى أن يكون للمرء ورد ذكر في يومه وليلته، فما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرًا إلا وعلمنا فيه ذكرًا ودعاءً، ذكر الاستيقاظ من النوم، دخول الخلاء والخروج من الخلاء، لبس الثياب، الطعام، الخروج من المنزل، ركوب الدابة.. كل شيء حتى تعود إلى بيتك وفراشك .. فهل شغلنا أنفسنا بذلك وكانت ألسنتنا رطبةً بذكر الله عبيدًا وعبادًا؟أيها المسلمون: الدرس الثاني من هذه الرحلة المباركة هو قول الحق﴿أسرى بعيده﴾ ولم يقل برسوله أو نبيه أو حبيبه أو خليله، فلله عز وجل في كونه عبيد وعباد، فكلنا عبيد الله الطائع فينا والعاصي والمؤمن من الناس والكافر ، ولكن عباد الله هم الذين أخلصوا له فاتحد اختيارهم مع منهج الله سبحانه وتعالى ما قال لهم افعلوه فعلوه وما نهاهم عنه انتهوا؛ ولذلك عندما يتحدث القرآن عن المخلصين بين خلق الله لا يسميهم عبيدا ولكن يسميهم عبادًا يقول تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا (63)﴾ (الفرقان)، والحق قد استخدم كلمة عبده ليلفت نظرنا إلى حقيقتين هامتين؛ الأولى أن الإسراء بالروح والجسد ولم يكن منامًا، والثانية والأهم أن الله جل جلاله يريد أن يثبت لنا أن العبوديةَ له هي أسمى المراتب التي يصل إليها الإنسان، فالعبودية لله ثمرتها العزة والعطاء: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (65)﴾.شرف العبوديةأيها المسلمون: إن العبودية لله شرف والعبودية للبشرية نقيصة وذلة؛ لأن السيدَ يريد أن يأخذ خير عبده وأن يجرده من كل حقوقه وماله، ولكن العبودية لله عطاءٌ كريم من رب ودود .ولله در القائل:كفى نفسي عزًا بأني عبد يحتفي بي بلا مواعيد ربهو في قدسه الأعز ولكن أنا ألقى متى وأين أحبفكفى بالمرء عزًا أن يكون عبدًا وكفى به فخرًا أن يكون الله له ربًا، ويقول الحق في حقِّ نبيه نوح: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (3)﴾ (الإسراء)، ويقول أيضًا في حق الفئة الغالبة: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولاً (5)﴾ (الإسراء: من الآية 5)؛ بل خُيِّر رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- بين أن يكون نبيَّا ملكًا أو عبدًا رسولاً فاختار أن يكون عبدًا رسولاً.. وبهذه العبودية وصل رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- إلى مكانٍ لم يصل إليه ملكٌ مقربٌ ولا نبي مرسل، بل كان رسول الله يجتهد أن يصل إلى هذه العبودية الحقة بقيامِ الليل حتى تورمت أقدامه فلما أشفقت عليه زوجه عائشة- رضي الله عنها- وقالت: يا رسول الله هون على نفسك فأنت الذي غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر.. فقال المعصوم- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-: "يا عائشة، أفلا أكون عبدًا شكورًا"، بل طلبَ من أمته ذلك؛ فقال- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-: "لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم، ولكن قولوا عبد الله ورسوله".أيها المسلون : اعلموا أن التمكين والنصر والتأييد والأمن لا يكون إلا لعباد الله عز وجل المخلصين قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ (النور: من الآية 55).الخطبة الثانية :مكانة الليلأيها المسلمون: الدرس الثالث : لماذا كانت الرحلة والمعجزة ليلاً؟.. أراد الله أن يوجه الأمة إلى قيمة الليل ومكانته حين يقسم بالليل في أكثر من موضع، والله لا يقسم إلا على عظيم، وعلى هذه الأمة التي رضيت بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًا ورسولاً وبالقرآن حكمًا ومنهاجًا وشريعةً ودستورًا أن تُعظِّم ما عظَّم الله تعالى فتدرك خير الليل وتستفيد من بركات الليل؛ لأن الليل له رجاله إذا نامت العيون وهدأت النفوس وخلا كل حبيب بحبيبه.. فكان رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- يكره السهر بعد العشاء إلا لضرورةٍ، وكان أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- فرسانًا بالنهار رهبانًا بالليل إذا جنَّ الليل سمعت لهم دويًّا كدوي النحل.أيها المسلمون: لا بد أن تدرك قيمة الليل وتعرض نفسه لرحمات الله وبركات الله وخاصةً عندما تنزل الحق تبارك وتعالى في الثلث الأخير من الليل ويقول: هل من سائل فأعطيه إلا من داع فأجيبه هل من كذاهل من كذا حتى يؤذن الفجر.. أحباب رسول الله الليل له رجاله يقل الحق فيهم ﴿كَانُوا قَلِيلاً مِنْ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18)﴾ (الذاريات)، ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنْ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (16)﴾ (السجدة)، ولقد فطن أعداء هذه الأمة لهذا فحاربوا الأمة في ليلها فاسهروها الليل فيما لا يفيد وأناموها بالنهار فضاعت البركة من الأمة في بكورها وضاع منها دعوة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم الذي قال: "بارك الله لأمتي في بكورها".وثقول أحدهم :يا رجال الليل جدوا رب صوت لا يردولا شك أن الليل هو الظرف المناسب للإسراء بهدوئه وسكينته , وهو المناسب للتسبيح أيضا .مكانة المسجدأيها المسلمون: درس آخر وهو ربط الرحلة في بدايتها ونهايتها بالمسجد، فالخروج من مسجد وإلى مسجد لتعلم الأمة قيمة المساجد ومكانتها في الإسلام، فهو بيت الأمة الذي اهتمَّ به رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- في بداية بناء دولة الإسلام، فالمسجد له مكانته وله دوره في الإسلام الذي لا بد أن يعود حتى يتخرج فيه الرجال الذين يحملون دعوة الله ويبلغون رسالة الله الذين قال الحق فيهم: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ (36) رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ (37) لِيَجْزِيَهُمْ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (38)﴾.. والنبي يقول في الحديث القدسي الذي يرويه عن رب العزة: "بيوتي في الأرض المساجد، وزوارها عُمَّارها، فطوبى لعبدٍ تطَّهر في بيته ثم زارني في بيتي فكان حق على المزور أن يُكرم زائره".وحديث النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: "المسجد بيت كل مؤمن" . الحديث في صحيح الجامع عن سلمان رضي الله عنه .نسأل الله عز وجل أن يردَّ المسلمين إلى إسلامهم ردًا جميلاً , وأن يرد إليهم المسجد الأقصى الأسير , وأن يطهره من دنس اليهود الغاصبين المعتدين . كما نسأل الله تعالى أن يحرر المسلمين وهم يعيشون في بلادهم مستعبدين , لا يملكون أن يقولوا كلمة حق , أو يكونوا أعزة كراما أحرارا ؛ لأن في ذلك خطرا على عروش الأنظمة المتحكمة في مصائر البلاد والعباد . وكلنا أمل في نصر الله لدينه وعباده المؤمنين , ( ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا )( والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) .

الثلاثاء، 8 يونيو 2010

هل تقرأ سورة الكهف ليلة الجمعة أو يوم الجمعة ؟

وفقا للسنة , ما هو الوقت الصحيح لقراءة سورة الكهف يوم الجمعة ؟ هل نقرأها من بعد الفجر إلى ما قبل صلاة الجمعة , أم في أي وقت من ذلك اليوم ؟ وأيضا , هل قراءة سورة آل عمران يوم الجمعة من السنة ؟ وإذا كان الجواب بنعم , فمتى نقرأها ؟.
الحمد للهورد في فضل قراءة سورة الكهف يوم الجمعة أو ليلتها أحاديث صحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم منها :
أ. عن أبي سعيد الخدري قال : " من قرأ سورة الكهف ليلة الجمعة أضاء له من النور فيما بينه وبين البيت العتيق " . رواه الدارمي ( 3407 ) . والحديث : صححه الشيخ الألباني في " صحيح الجامع " ( 6471 ) .
ب. " من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين " .
رواه الحاكم ( 2 / 399 ) والبيهقي ( 3 / 249 ) . والحديث : قال ابن حجر في " تخريج الأذكار " : حديث حسن ، وقال : وهو أقوى ما ورد في قراءة سورة الكهف .
انظر : " فيض القدير " ( 6 / 198 ) .
وصححه الشيخ الألباني في " صحيح الجامع " ( 6470 ) .
ج. وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة سطع له نور من تحت قدمه إلى عنان السماء يضيء له يوم القيامة ، وغفر له ما بين الجمعتين ".
قال المنذري : رواه أبو بكر بن مردويه في تفسيره بإسناد لا بأس به .
" الترغيب والترهيب " ( 1 / 298 ) .
وتقرأ السورة في ليلة الجمعة أو في يومها ، وتبدأ ليلة الجمعة من غروب شمس يوم الخميس ، وينتهي يوم الجمعة بغروب الشمس ، وعليه : فيكون وقت قراءتها من غروب شمس يوم الخميس إلى غروب شمس يوم الجمعة .
قال المناوي :
قال الحافظ ابن حجر في " أماليه " : كذا وقع في روايات " يوم الجمعة " وفي روايات " ليلة الجمعة " ، ويجمع بأن المراد اليوم بليلته والليلة بيومها .
" فيض القدير " ( 6 / 199 ) .
وقال المناوي أيضاً :
فيندب قراءتها يوم الجمعة وكذا ليلتها كما نص عليه الشافعي رضي اللّه عنه .
" فيض القدير " ( 6 / 198 ) .
فضيلة الشيخ محمد صالح المنجد